أحمد مصطفى المراغي

72

تفسير المراغي

المحصنات به ، وشدد في عقوبته الدنيوية والأخروية ، فجعل عقوبته في الدنيا الجلد وألا تقبل له شهادة أبدا ، فيكون ساقط الاعتبار في نظر الناس ملغى القول لا تسمع له كلمة ، وجعل عقوبته في الآخرة العذاب المؤلم الموجع إلا إذا تاب إلى اللّه وأناب وأصلح أعماله ، فإنه يزول عنه اسم الفسوق وتقبل شهادته . الإيضاح ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ، ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً ) أي إن الذين يشتمون العفيفات من حرائر المسلمين فيرمونهن بالزنا ، ثم لم يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون بأنهم رأوهن يفعلن ذلك - فاجلدوهم ثمانين جلدة جزاء لهم على ما فعلوا من ثلم العرض ، وهتك الستر دون أن يكون ذلك بوجه الحق . ( وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً ) أي وردوا شهادتهم ، ولا تقبلوها أبدا في أي أمر من الأمور . ثم بين سوء حالهم عند ربهم بقوله : ( وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) أي وأولئك هم الخارجون عن طاعة ربهم إذ أنهم فسقوا عن أمره ؛ وركبوا كبيرة من الكبائر ، باتهامهم المحصنات الغافلات المؤمنات كذبا وبهتانا ؛ كما قال حسان يمدح أمّ المؤمنين عائشة : حصان رزان ما تزنّ بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل « 1 » وهم إن كانوا صادقين فقد هتكوا ستر المؤمنات ، وأوقعوا السامعين في شك من أمرهن ، دون أن يكون في ذلك فائدة دينية ولا دنيوية لهم ، وقد أمرنا بستر العرض إذا لم يكن في ذلك مصلحة في الدين .

--> ( 1 ) حصان : عفيفة ، ورزان : حصيفة الرأي ، وتزن : تتهم ، وريبة : أي شك في عرضها ، وغرثى : جائعة ، والمراد أنها لا تغتاب النساء كما هو شأن المرأة .